يوسف بن يحيى الصنعاني

153

نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر

قلت : هذه الأبيات مع تضمنّها المجون الذي يقوم مقام جوارش العنبر في تفريح القلب ، فيها أيضا من الحكمة وهي قوله : قد عشت دهرا أعول عقلي * والناس إذ ذاك يبعدوني والذي بعده ، والذي تقول العامّة : « من تجانن قضى حاجته » ، ولا سيما وقتنا وبلدنا ، فالعيش فيه بالجنون أنفع من الكيمياء ، والعقل أشرف ما حلي به الإنسان ، ولكنه حجاب عن الشهوات الطيبة التي تذم لمشاركة الحيوان غير الناطق للإنسان فيها ولا بد منها إلّا لقليل من الناس منحوا الصبر عنها . ورأى الحسن البصري « 1 » رجلا عليه ثياب حسنة وله بزّة جميلة فسأل عنه فقيل أنه يضرّط للملوك فيضحكهم فيجيزونه ، فقال : ما دخل أحد للدنيا من بابها وأخذها بما يشبهها إلّا هذي . وحدّث مدرك بن محمد الشيباني قال : حدثني أبو العنبس الصيمري قال : قلت لأبي العبر العباسي الأحمق : ويلك أي شيء يحملك على هذا السخف الذي ملأت به الأرض ، وأنت أديب مليح الشعر ؟ فقال لي : يا كشحان تريد أن أكسد أنا ، وتنفق أنت ، أنت أيضا شاعر فهم متكلّم قد تركت العلم وصنفت في الرقاعة نيفا على ثلاثين كتابا ، أحبّ أن تخبرني لو نفق العقل أكنت تقدّم على البحتري وقد قال في الخليفة بالأمس :

--> ( 1 ) الحسن بن يسار البصري ، أبو سعيد : تابعي ، كان إمام أهل البصرة ، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك . ولد بالمدينة سنة 21 ه ، وشبّ في كنف علي بن أبي طالب ، واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية ، وسكن البصرة . وعظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم ، وكان أبوه من أهل ميسان ، مولى لبعض الأنصار . قال الغزالي : كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء ، وأقربهم هديا من الصحابة . وكان غاية في الفصاحة تتصبب الحكمة من فيه . وله مع الحجاج ابن يوسف مواقف : وقد سلم من أذاه . ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه : إني قد ابتليت بهذا الأمر فانظر لي أعوانا يعينونني عليه . فأجابه الحسن : أما أبناء الدنيا فلا تريدهم ، وأما أبناء الآخرة فلا يريدونك ، فاستعن باللّه . أخباره كثيرة ، وله كلمات سائرة وكتاب في « فضائل مكة - خ » بالأزهرية . توفي بالبصرة سنة 110 ه . ولإحسان عباس كتاب « الحسن البصري - ط » . ترجمته في : تهذيب التهذيب ، وميزان الاعتدال 1 / 254 ، وحلية الأولياء 2 / 131 ، وذيل المذيل 93 ، وأمالي المرتضى 1 / 106 ، والأزهرية 3 / 725 ، الإعلام ط 4 / 2 / 226 .